the-words-bradley-cooper

لو أردت الآن أن أذكر أسوأ ما مررت به في حياتي, سيظل هناك حدثين هما الأكثر إيلاماً بالنسبة لي, ولا أعتقد أنه بمرور الوقت والأيام يمكن أن يزول ما رافقها من شعور بالمرارة والأسف.

قبل 5 سنوات تقريباً, كنت صغيرة في السن ومبتدئة في كتابة القصة .. وكتبت قصة أعتبرها أهم ما كتبت وأكثر كتاباتي تأثيراً وتفاعلاً من القراء في أحد المنتديات, وكنت سعيدة بهذا الإنجاز, سعادة الحروف ولذة كتابتها التي يعرفها الكاتب ويشعر بها ويلهث خلفها كلما توارت تجليات القريحة وغابت عن ذهنه الحروف والكلمات .. وبعد عدة سنوات وأثناء بحثي وتصفحي للمواقع والمنتديات وجدت أحدهم قد أضاف تعديلاته على قصتي ونشرها باسمه, لا يمكنني وصف الشعور بالقهر الذي داهمني وقتها, ورغم أنه قد مضت عدة سنوات إلا أني ما زلت أستعيد مرارة هذه الحادثة وكأنها وقعت صباح اليوم, لقد كانت نقطة التحول التي أبعدتني عن المنتديات إلى الأبد, وأخذتني إلى مساحات التدوين الشخصي. وأعترف بأن التدوين قد أنقذني في وقت ما, ولكن تجددت آلام الكتابة فيما بعد عندما تم إغلاق مدونتي قبل فترة وفقدت جميع تدويناتي فيها, شعرت وكأني خسرت ثروتي, ودائماً أتحاشى ذكر هذين الحدثين للعامة, لأني أعرف أنه لن يدرك هذه المعاناة سوى كاتب.. ما حرضني اليوم لكتابة هذه المقدمة الطويلة على غير العادة .. هو فيلم الكلمات The Words الذي قد لا يكون الأجمل لعام 2012, ولكنه أكثر فيلم مسّني بعمق وأعتقد أنه يمكن أن يمسّ أي كاتب على وجه الأرض. وأشعر أنه لكي تحب الفيلم بما يكفي, وتدرك حجم الأسى والمعاناة في تفاصيله .. يجب أن تكون كاتب !

يتحدث الفيلم عن كاتب قام بتأليف رواية, وهذه الرواية كانت تدور حول كاتب أمريكي شاب أخفق في تحقيق حلمه ليكون روائي ناجح, اعتاد على رسائل الرفض والاعتذار من كل دار نشر أرسل إليها كتاباته المتواضعة, إلى أن سافرت به الصدفة إلى باريس لقضاء شهر العسل, حيث عثر على حقيبة قديمة في أحد محال الأنتيكات والتحف القديمة هناك وأعجب بها, واشترتها له زوجته كهدية .. وبعد عودته إلى أمريكا يجد في أحد جيوب الحقيبة مجموعة أوراق مضى على تاريخ كتابتها عقود وسنوات, لكن هذه الأوراق بما تحويه من كنز ثمين, قد تمكنت من تغيير حياته إلى الأبد, كانت أول سرقة أدبية يجرؤ عليها .. وأصبح بفضلها من أشهر الروائيين الشباب في أمريكا, ونال بفضلها جائزة أدبية فاقت كل أحلامه , إلى أن التقى بكاتب القصة الحقيقي الذي بلغ من العمر عتياً, وكان هذا اللقاء بين الكاتب الأصلي والكاتب السارق, معزوفة من الألم والتذكر والبوح المسكون بالشجن, لمست أعمق زاوية في داخلي عبارة الكاتب العجوز : “لقد أحببت الكلمات أكثر من المرأة التي ألهمتني لكتابتها, ضاعت الكلمات وضاعت امرأتي يا بني!”.

يتناول الفيلم هذه القصة بهدف توعية الإنسان بأنه سيبقى أسيراً لقراراته وخياراته وعليه أن يعرف بأنه سيضطر للتعايش معها على الدوام, لكن المفاجأة التي تنكشف لنا في نهاية المطاف أن هذه الرواية, ما كانت سوى قصة حقيقية وسيرة ذاتية لمؤلفها, فكيف تمكن من التعايش مع قراره بالسطو على كلمات رجل آخر؟ لن أفسد المزيد من جماليات الفيلم على من لم يستمتع به حتى الآن.

التنقلات الزمنية والسرد القصصي في الفيلم كان مُحكم للغاية وأداء النجم البريطاني العجوز “جيرمي آيرونز” أعتبره واحداً من أروع الأدوار والأداءات التي عرفتها خلال مشاهداتي السينمائية.

 لقد كان كان الفيلم بحق ” هدية السينما لكل كاتب ” !

الوسوم : , , , ,

اضف رد