istanbul

.

بقلم – فؤاد الفرحان

.

بإمكانك استهلاك وقت وجودك على سطح هذا الكوكب محاولاً فهم الحياة وسرّها، أو بإمكانك ببساطة زيارة إسطنبول.. متى آخر مرة وقعت فيها في الحُبْ؟

لعنة حب أبدية ترسلها هذه المدينة عليك متى ما بلغها أنك فهمتها بشكل جيّد وعرفت سرّها، ويا له من سر تخبئه عن زوّارها إلّا التائهين منهم! باذخة الجمال والثقافة تعرف جيداً أنها لن تشيخ أبدا، ولذلك فهي لا تحتاج لبذل أي جهد إضافي لتبدو جميلة سوى أن تكون هي. متصالحة مع ذاتها حتى الثمالة مما يجعلها في غاية الثقة والغرور بجمالها.

لا يوجد شيء مصطنع في هذه المدينة. لا يكاد يوجد شيء غير منطقي هنا. كل شيء كامل… كامل لدرجة تجعلك أن لا تنتبه أو تلتفت لوجود عيوب. شخصيتها بارزة طاغية عبر روحها الشرقية الغربية التي تهمس للبشرية: تواضعوا، فلا يوجد حضارة كاملة، ألا ترون كم أنا جميلة وأنا أعتنق وأمزج بين الاثنتين فضلاً عن ما ورثته قبلهما!؟ هذا المزيج المغري الذي تستشعره بسهولة كزائر يجتهد ليغريك ويغويك فيحاول أن يزرع في داخلك الإيمان بأنه يمكنك أن تكون إسطنبولياً إن أردت.. أن تكون إسطنبولياً فذلك يعني أن تتخلى وترفض ما علق بحضارتك الشرقية من فوقية ماضوية كاذبة وفي نفس الوقت لا تشعر بإنهزامية أمام الغربية تجعلك مسلوب الروح كارهاً للذات..

وجوه البائعين وتعبيراتهم منطقية، ليسوا مبتسمين طوال الوقت وليسوا متجهمين كذلك. أليست الحياة كذلك؟ بين التبسم والتجهم؟ ليسوا كالمنافقين من بائعي تلك المدن الدائمي الابتسامة. أما وجوه السائحين فتلك قصة أخرى.

عندما تسير أو تجلس على طاولة مقهى وتطلب كوب شاي وتتمعن في وجوه السائرين، تشعر بأن عيون الجميع تتخاطر بمجرد أن تقع بعضها على بعض وكأن كل سائر لا إرادياً يقول للآخر: هل تشعر بغوايتها؟ هل قمت بحل اللغز؟ كيف السبيل لنقاوم؟ هل هجرتها من قبل وعدت لديارك؟ كيف قويت على ذلك؟ ويح قلبك..

شيئان لا تثق بهما..جو إسطنبول ونساؤها، كما يردد أهل هذه المدينة. لا أعتقد أن تناقض جوّ هذه المدينة هو أمرٌ بيده، الجو هنا مصاب باعتلال نفسي لا يُلام عليه. في الصباح، لا يسع هذا الجو إلا أن يكون بديعاً بشكل يليق بفجر هذه المدينة. يبقى بديعاً لبعض الوقت حتى يشعر بالرأفة على كل هذه الأشجار والورود فيقرر أن يترك بعض المساحة لأشعة الشمس لتحن عليها. بحلول منتصف النهار يستشعر الجو بأن الشمس قد استغلّت طيبته ورفعت حرارة المدينة وأرهقت السكان والأشجار والورود فيستحضر الغيم معبراً عن غضبه من الشمس فتحل البرودة على المدينة. يقرر أحياناً بأنه لا بأس بشيء من المطر لغسل خديعة الشمس وأحياناً تلسعه الغيوم وتستغل ثقته فتنهمر بلا توقف. محاولة التوفيق والتنسيق بين الشمس والسحب وهما يتنافسان على ممارسة الوصاية على سكان المدينة وأشجارها وورودها هي محاولة ليست بالسهلة على جو إسطنبول لأن عليه أن يرضي الجميع بوسطية، ولكنه يفشل دائماً بسبب استغلالهما لثقته وتجاوزهما، ولذلك أصبح الجميع لا يثق به رغم محاولاته المخلصة أن يكون عادلاً. من يحاول أن يرضي الجميع يفشل دائماً.

أمّا نساء إسطنبول فجميلات بحق حتى تبدأ الواحدة منهن بالكلام. اللغة التركية لغة ذكورية فحولية بإمتياز لا يليق بالمرأة النطق بها بل إن ذلك من ضروب الظلم. يكتسيك شيء من الحزن وأنت ترى كيف تخرج تلك الحروف الخشنة من فاه تلك التركية الجميلة. ألم يكن بإمكان أتاتورك وهو الذي غير حروف اللغة هنا من العربية إلى الإنجليزية بنجاح أن يفعل شيئاً ما ليجعل هذه اللغة أكثر رقةً ولطفاً لنساء بلده؟ أعتقد أنه كان بوسعه لو أراد..

جمال روح أي مدينة يمكن قياسه بشيئين: عدد محلات الورود، و مستوى أخلاق وأسلوب تعامل قطط المدينة الضالة في الشوارع والأزقة.

انتشار محلات الورود وكثرتها يعطي دلالة قاطعة عن تقدير سكان المدينة للجمال، ولا يماثل كثرة عدد محلات الورود في إسطنبول إلا كثرة عدد صيدليات النهدي في جدة، وبالطبع كثرة عدد الصيدليات في مدينة تعطي دلالة أخرى..

أمّا المستوى الرفيع لتربية وأخلاق قطط إسطنبول الضالة فهو ملفت للانتباه. ربما يعود ذلك لاكتفائها الغذائي الكبير نظير العدد الهائل للمطاعم في هذه المدينة ومستوى لذة وتنوع المطبخ التركي. قطط إسطنبول لا تتشاجر ولا تتطارد ولا تكاد تسمع لها صوتاً حتى تكاد تعتقد أنها بكماء. كما أنّها لا تفاجئ السائر أو الجالس في المقهى بل تظهر له بهدوء ثم تسير ببطء حتى تتأكد من أنه قد رأها وبالتالي تقرأ من فعله مدى رغبته في أن تأتي إليه أو تبتعد عنه.

أعتقد أن سر سحر إسطنبول الحقيقي هو السير في ثناياها..

إسطنبول والسير على القدمين في ثناياها ملحمة عشق خالدة. هنا أنت تصحو من النوم لكي تسير، تأكل وتشرب لكي تسير، ترتاح لكي تسير، تنام لكي تصحو فتسير. شوارعها الكبرى كالفترات الجميلة الفارقة في حياتك، وأزقتها كمساريب صغيرة في قلبك لم تكن تعلم أنها حيّة وموجودة من قبل، فتشعر بشيء من الدهشة حين تكتشفها.

ما تفعله إسطنبول بك هو أنها تستقبلك، ترحب بك، وتهيء الجو لتغريك فتبدأ لا إرادياً رحلة السير والتوهان بين طرقاتها وأزقتها، تدس لك بين الحين والآخر عند الزوايا والأركان رسائل إغراء… جدار عثماني حجري عتيق يستحضر في مخيلتك صورة حضارة خلافة متضاربةٌ هي مشاعرك تجاهها فتحبها لمنجزاتها وتكرهها لما فعلت في شيخ الثوار الكواكبي.. نافذة صغيرة بيضاء اللون مفتوحة ذات إطار خشبي أخضر متآكل على جدار منزل مستطيل أبيض صغير في زقاق مبتل في غاية في الرقة تقول لك: كل الحياة نوافذ.. مسراب ماء يجري بلطف في جانب الطريق تحاول الورود المتكدسة فيه التسبب في انسداده عن قصد لكي تطفوا فربما تصل لأصابع أقدام تلك الفتاة الجالسة على كرسي الحديقة الخشبي منذ مدة منتظرةً بلهفة وترقب أحداً ما يهديها وردة.. أوراق شجيرة متسللة من فوق باب مقهى ترحب بأزواج العشاق الداخلين، تستنشق منهم بجهد إضافي منها ثاني أوكسيد الجفاء قبل ولوجهم عبر الباب… تستحثك هذه الفتاة وتشجعك على استكشاف الجمال في كل تلك التفاصيل والصور والرسائل الصغيرة المترامية في ثنايا جسدها. كأنها تقول لك: سأترك لك رسائلي في كل مكان، عليك التنبه و الالتفات لها وأنت تسير، ثم عليك أن تسائل نفسك ماذا تعني لك!؟

استوعبت إسطنبول جيداً ما قاله اليوناني الشهير أبو الطب أبقراط بأن “السير (المشي) أفضل علاج للإنسان”، وتفهمت كذلك مقولة المهرطق الأعظم نيتشه بأن “كل الأفكار العظيمة تظهر وتنصع بالسير”، ولذلك هيأت نفسها منذ مئات السنين لتكون قبلة عشّاق السير وكل له غايته..

وأنت تسير، تقوم المدينة بمساعدتك في استرجاع ذكرياتك، كل ذكرياتك. ولكنها تفعل ذلك بلطف وهدوء حتى في لحظات استرجاع أوجع الذكريات لتخفف من وقعها عليك.

إنها تستنسخ منك شخصاً آخر يحمل همّ الذكريات نيابة عنك وتُلبِسه بدلة رسمية سوداء وقباعة رمادية، في يده اليسرى مظلة، متأبطاً تحت ذارعه اليمنى صحيفة، ثم تطلقه ليسير خلفك تماماً طالما أنت تسير. نسختك الأخرى المطابقة والمشابهة لك تماماً والتي تسير خلفك كالظل دورها هو استرجاع ذكرياتك وتحمّل وجعها ثم النقر على كتفك وتسليمك إياها ببطء واحدةً تلو أخرى وأنت تسير أمامها لتبدأ التمعن والتفكير فيها واحدةً تلو أخرى. هنا لا تشعر بالخوف من مراجعة ماضيك واسترجاع كل ما يمكنك تذكره، وكأنك تشعر بأمان أبدي في كنف هذه المدينة مستيقناً أنها لن تعاتبك يوماً مطلقاً.

لا تحتاج أن تهتم كثيراً من أين وإلى أين تسير هنا.. إسطنبول كالحياة.. تسير فيها وأنت لست متأكد ماذا سيحصل غداً أو حتى بعد مغادرتها، ولكنك رغماً عن ذلك تسير، فلا تهتم كثيراً وكن جيّداً. صرختك الأولى التي تطلقها عند ولادتك معلناً وصولك لهذه الحياة يفهمها الموت كإعلان تحدي مستفز فيبدأ سيره نحوك في اتجاه معاكس، وأنت بدون قصد منك تسير وتستحث الخطى نحوه لمواجهته في معركة سخيفة محسومة النتيجة مسبقاً! لن أكون متفاجئاً لو اكتشفنا يوماً أن مرسي عزيز كتب رائعته “من غير ليه” هنا.

فضلاً عن هامشية أهمية خط سيرك وأفضلية التوهان بين الشوارع والأزقة، لا يختلف الأمر كثيراً إن كنت تسير في الليل أو النهار، في الشوارع المضيئة أم المظلمة. “تذكّر أن تسير في النور، وعندما تجد نفسك بدأت تسير في الظلام، انطلق وابحث عن النور ثم واصل السير بحضوره، أحبّوا النور” حكمة أسطورة الجاز الأمريكية روبرتا فلاك التي يمكن تطبيقها على أي شيء وأي مكان ما عدا إسطنبول. هذه المدينة تعرف الليل ولكنها لا تعرف الظلام مطلقاً. حتى في أحلك الطرق والأزقة ظلمةً كما تبدو لنا تجد هنا قمر يحميك له توهج وجمال غير القمر الذي يعرفه باقي سكان مدن العرب التي يضللها الاستبداد. هنا لا تخاف من الظلام لأن ليس لديه سطوة..

طرقات إسطنبول فيها من درجات الصعود ما سيطرب قيس بن الملوح القائل: “ألا لا أحب السير إلا مصعّداً”.. وفيها من سهول وزنابق أبو الثوار أبي القاسم الشابي: “غرّد، ففي تلك السهول زنابق..ترنو إليك بناظر منظور”.. أما أزقتها فتختلف عن أزقة المدن العربية التي وعد الماغوط محمد أن يتوقف عن التسكع فيها: “لم أعد أجلس القرفصاء في الأزقة..حيث التسكع..والغرامُ اليائس أمام العتبات”..

شوارع المدينة، طرقاتها، أزقتها، وجدرانها، مغرية ومهيأة لأجل تلك اللقطة الباذخة التي لا يجيد رسمها بالحروف أحد كمحمود درويش:

ماذا يثير الناس لو سرنا على ضوء النهار

و حملت عنك حقيبة اليد و المظلة

و أخذت ثغرك عند زاوية الجدار

و قطفت قبلة

..

تجعلك تتسائل إن كانت تلك المشاعر التي تملّكت نزار قباني كانت في بيروت كما قال أم في إسطنبول:

هذه كل المفاتيح .. فقودي أنت ..

سيري باتجاه الريح والصدفة..

سيري في الزواريب التي من غير أسماء..

أحبيني قليلا..

طارحيني الحب .. تحت الرعد ، والبرق ..وإيقاع المزاريب ..

امنحيني وطنا في معطف الفرو الرمادي..

عانقيني في الميادين..

وفوق الورق المكسور، ضميني على مرأى من الناس..

ارفضي عصر السلاطين، ارفضي فتوى المجاذيب..

..

تتعاطف إسطنبول كثيراً مع ذلك الزائر الذي قرر أن يترك كل شيء فجأة ويهرب إليها وحيداً. تعرف أنه ذلك التائه الذي أتى لاجئاً باحثاً في أزقتها عن شيء ما في داخله، فتنزل عليه هدوء وسلام فريد حتى في عز ضجيجها إذا ما استيقنت حاجته لها، ولكنها رغماً عن كل شيء لا تعطيه الأجوبة، فهو الوحيد الذي يمتلكها..

يا للأزقةِ والحواري النائمات ..

خبت الشُّموع، ولم أزل مُتوقدا..

في الشارع الموبوء تدفعني الريا ح..

لتَنطفي فيَّ الجِراح مُجددا..

فأضم ثوبي، والمساء يحفني ..

وأرى الطريق عن الطريق تبددا..

وتثور عيني بالدموع، فلا أرى..

غير الظلام يلُفني مُتعمِّدا..

قِطع “الجرائد” كم تنوء بخطوتي ..

إن جُبتُ أرجاء المدينة مُفردا..

أحصيت أضواء الطريق فما وجدت..

على النوافذ من لهيبكِ موعدا..

ولقد مضيتُ على الطريق وليس لي..

يا نفس إلا أن أسيرَ مُجددا..

أولئك الذين يمنعون الناس من السفر، من أي صخر قُدّت قلوبهم!؟.. الحريّة للممنوعين من السفر.. الحريّة لك يا وليد..

ليلة عيد حج 1433هـ 2012 – إسطنبول

فؤاد الفرحان

اضف رد