IMG_6363

عندما تجلس في أمسية هادئة بحديقة المنزل, ترتشف الشاي بصمت.. ويخطر ببالك أن تتناول كتاباً ما لتتسلى به في تلك الأثناء وتطل من خلاله إلى عوالم وأجواء مُغايرة وقادرة على إخراجك من كل السكون الذي حولك, ولكن بعيداً عن الروايات التي قد تستغرق منك الليلة بأكملها, وبعيداً عن ضوضاء الفضائيات وأخبار الثورات, أظن أن كتاب (ما خطر ببالي .. وحدث) للكاتب أمجد المنيف, بكل ما في طياته من عنفوان وعاطفة وشجن والتقاطات باسمة, سيكون واحداً من أفضل خياراتك للقراءة.

أعتقد أن هذا الكتاب الذي يحمل توثيقاً لأرشيف الكاتب المتناثر بين الشبكات الاجتماعية, يمثل أنموذجاً مميزاً للكتاب الخفيف الممتع في تنوع وثراء المحتوى, حيث تجد نفسك أمام كتاب قد يوحي لوهلة .. وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على غلافه بأنه يتضمن مذكرات شخصية للكاتب, وقد يكون نوعاً ما كذلك, إلا أن الحقيقة أنه كان في نصوصه وخواطره وقصصه القصيرة, بمثابة مذكرات لكل من يقرأه, كل من يتصفح هذا الكتاب يمكن أن يجد جزءاً يحكي عنه.. العاشق والناقم والوحيد والحزين, بل وحتى الساخر الذي يبحث عن الفكاهة في أكثر التفاصيل عمقاً وجدية.

يتحدث الكاتب في إحدى خواطره المتناثرة في مواقع التواصل عن موجة “الهشتقة” في تويتر قائلاً:

“كل ابن أنثى وإن طالت سلامته .. يوماً على هاشتاق هنا منتوف“

ويسترسل في وصف آداب العرب الاجتماعية سابقاً, “أن “لا يُهشتق إلا مُذنب.. ولا يُجار شخص مُهشتق!” ويستلهم من أشكال التواصل الاجتماعي التقني أفكار جميلة وطريفة, تربط هذه الأشكال بأخرى أصيلة جداً وموجودة في الإرث الثقافي لقبائل العرب منذ قديم الزمان.

كما يستفتح مقدمة كتابه الأول, والتي أراها أجمل وأمتع ما كُتب في الكتاب على الإطلاق, بإضاءة ذكية على رحلاته وأسفاره المتنوعة في أنحاء الأرض, راصداً أسماء المدن والعواصم التي كانت شاهدة على ولادة أحرف كتابه فيها.. منبهاً إلى أن بعض هذه الحروف كُتبت في السماء, ولا يعلم إلى أي المدن تنتمي.. ويبرر غياب روايته المنتظرة بحضور هذا الكتاب المباغت, ولكنه يعود ليجدد وعوده بها.

هذه المقدمة فاتح شهية ممتاز لقراءة هكذا نوع غير مألوف من الكتب, لأنها تجمع خلاصة تجارب وخبرات وذكريات متراكمة على مدى سنوات ومراحل عمرية وفكرية لشاب عربي وتُختزل في تأملات جريئة تتناول الحب وأسرار المرأة والرجل والعلاقات والأحلام والخيبات وأوجاع الفقد والحنين, مثل هذه الموضوعات هي نقطة ضعف القارئ العربي ومن المستحيل أن يتجاوزها.

بهذه الطريقة جاءت منجزات الكاتب الحرفية لتوثق نفسها بين دفتي كتاب, بعد أن كانت مبعثرة وتائهة في فضاءات تويتر والفيس بوك والمدونة.

شخصياً.. أتبرأ دائماً من تهمة النقد لقلة خبراتي وقراءاتي, ولكني دائماً ما أقول بقناعة أن الفيلم الجيد, هو الفيلم القادر على تغيير تعابير وجهك وأنت تشاهده, أظن أن الوصف ذاته ينطبق على الكتب. وهذا كتاب قادر على انتزاع ابتسامتك في كثير من زواياه وإشاراته, ليس أولها غلافه المثير للانتباه، ولا آخرها حروف الفهرس والغلاف الخلفي المشبع بالنرجسية والثقة المطلقة في مضمون الكتاب.

كتاب (ما خطر ببالي .. وحدث) يجعلك تقف طويلاً أمام مرآة كبيرة لتناقضات الإنسان وهمومه ومتاعبه في دوامة الحياة, حضور الحب والمرأة والسياسة في الكتاب كان نابض ومثير لمشاعر متنوعة, دائماً أحب سماع الموسيقى أثناء القراءة, لكن هذا الكتاب ليس بحاجة إلى موسيقى لأنه مكتوب بلغة موسيقية جميلة، تغلف الأفكار بإيقاع سلس وممتع بعبارات قليلة وموغلة بالعمق والتمرد على كل ما هو سائد ومألوف.

مقتطفات أعجبتني :

“تسير المرأة مهرولة خلف أسئلتها الذاتية, لتظفر بكذبة خاطفة أو حقيقة تغضبها“

“ما أجمل سوء الحياة وما أسوأ جمالها, ويا لقوة ضعفها وضعف قوتها.. ويا لماضي حاضرها المتغني بحاضر ماضيها“

“قبلنا بالشمغ الانجليزية, وفناجين القهوة الصينية.. لكن هذا لا يعني أن يقوم البلاك بيري والآي فون بتصحيح لغتنا العربية!”

“ومن العايدين.. الكثير من أطنان الذكرى في مستودعات ألحان هذه الأغنية“

“غضب ناعم : في لحظة, تسكب المرأة كل لحظات الغضب المختزلة عبر الأزمنة.. لتغرق بها رجلاً قال لها : أنتِ غير محقة“

“الحب الذي لا يستطيع انتقاد الخوف, لا يرقى لأن يقدم نفسه على أنه كذلك“

كانت هذه محاولة لإنصاف كتاب أعرف أنه يستحق أن يجد مكاناً على رفوفكم.

اضف رد