Downton-Wallpapers-downton-abbey-31047030-1082-674

.

في الوقت الذي تستند أغلب مسلسلات ما يُسمى بالـ Period Drama إلى وقائع تاريخية، أو روايات من كلاسيكيات الأدب القديم, يأتي الكاتب البريطاني “جوليان فيلوز” ليقدِّم لنا من نسج خياله الخاص, باقة من الحكايا لن ينساها متابعو الدراما لسنوات قادمة, وذلك عبر مسلسل Downton Abbey الذي حظي بإشادات متنوعة من عدد من النقاد والخبراء في الإنتاج التلفزيوني, وفاز بجائزتي “غولدن غلوب” و”إيمي” كأفضل مسلسل قصير, بالإضافة إلى جوائز تلفزيونية أخرى, وجاء في “نيويورك تايمز” أن عدد مشاهدي المسلسل حول العالم تجاوز 120 مليونًا بحسب “إن بي سي يونيفرسال”، وبيانات نسبة المشاهدة التي قدمتها جهات عرضه, مع توقعات بازدياد الرقم عندما تبدأ محطة «سي سي تي في» في الصين عرض نسخة مدبلجة في خلال هذا العام, مُحققًا بذلك صدارة غير مسبوقة في تاريخ المسلسلات البريطانية والأوروبية خلال الأربعة عقود الأخيرة.

أثار انتباهي ما تحدثت عنه الصحافة حول اهتمام العائلة الرئاسية الأمريكية بهذا العمل, حيث أعلنت وسائل الإعلام أن سيدة أمريكا الأولى “ميشيل أوباما” أرسلت إلى القناة بطلب نسخة خاصة من حلقات موسمه الثاني لمشاهدتها قبل أن يبدأ العرض الرسمي على التلفاز البريطاني, وأكدت عدَّة صحف ارتفاع مبيعات المؤلفات التي تحكي تاريخ بريطانيا بعد عرض “داونتون آبي” على الشاشة الأمريكية.

عن ماذا يتحدث هذا المسلسل الذي أثار كل تلك الضجة؟!.. بعد أن تمكنت من مشاهدة جميع مواسمه وحلقاته مؤخرًا، سأحاول -قدر الإمكان- تنحية عاطفتي الشخصية تجاه هذا العمل تحديدًا، وأتحدث عن أهم تفاصيله بدون إفساد لمتعة من لم يسعفه الحظ لمشاهدته بعد.

.

downton-abbey-dinner-table

“داونتون آبي” مسلسل درامي مكوّن من ثلاثة مواسم إلى اليوم, بواقع ثماني حلقات لكل موسم, شارك في إخراج حلقاته عدة مخرجين, كما شاركت في إنتاجه شركتا “كارنفال فيلمز”، و”ماستر بيس”, وتم عرضه لأول مرة على شاشة قناة “آي تي في” بالسادس والعشرين من سبتمبر/أيلول 2010 قبل أن تشتري حقوق بثه قناة “بي بي إس” الأمريكية، ليبدأ عرضه في الولايات المتحدة بالتاسع من يناير/كانون الثاني عام 2011 كواحد من مختارات القناة الكلاسيكية.

يتحدث المسلسل عن عائلة “كراولي” الأرستقراطية التي عاشت في عهد الملك “جورج الخامس” بدايات القرن العشرين بواحدة من أعظم ملكيات وأراضي الريف البريطاني وتُدعى “داونتون آبي”, ويرصد من خلال يوميات أفراد هذه العائلة وحكاياتهم مع الطاقم الذي يعمل لخدمتهم, واقع المجتمع البريطاني المحافظ، وتقاليده الثقافية والاجتماعية الراسخة, والتي لم ينجح في زعزعتها وتغييرها إلى الأبد, سوى اندلاع الحرب!..

يتناول المسلسل ملامح الحياة في إنجلترا بمرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وما بين الحربين وبدء تشكيل الدولة الإيرلندية الحرة, بكل ما تخلل هذه المرحلة من أحداث ساهمت في تغيير وتحضُّر الإنسان الإنجليزي كانتشار وباء الأنفلونزا الإسبانية، وبداية التظاهرات والمطالبات الجادة بحقوق المرأة، ودخول الهاتف والكهرباء وغيرها من الصناعات والتقنيات إلى البيوت البريطانية، وتدرج المجتمع في تقبلها والتعامل معها, وأعتقد –شخصيًّا- أن المسلسل قد وُفّق في تجسيد تغيير ما بعد الحرب ومواكبته تدريجيًّا على نحو منطقي ومُقنع.

ناقش المسلسل -من خلال تسلسل أحداثه- عدة قضايا متنوعة، من ضمنها: حقوق المرأة، والشذوذ الجنسي، والخيانة الزوجية، والعنصرية، والتعامل مع الخدم، ومفهوم التطوع والأعمال الخيرية، وغيرها من الموضوعات المؤثرة, في قالب درامي يجبر المشاهد على ملاحقة الحلقات، ومشاهدتها أولاً بأول.

downton_abbey_wallpaper_8-normal

.

تبدأ الحلقة الأولى بتفاصيل الحياة الاعتيادية لعائلة “كراولي” عبر تصوير طاقم الخدم وهم يعملون منذ الصباح الباكر كخلية نحل على تجهيز المنزل الضخم، وإعداد المائدة، وإشعال نيران المواقد، وتنسيق الزهور، وكيّ الصحف قبل استيقاظ أفراد العائلة المكونة من لورد غرانثام “الأب”، والليدي غرانثام “الأم – أمريكية الأصل” وثلاث بنات شابات, وذلك وسط طقوس يوميَّة أخاذة من الترف والبذخ.. يستهل المسلسل حلقته الأولى بوصول برقية تحمل أنباء غرق سفينة “التايتانك”, تلك الحادثة البشعة التي ألقت بظلالها الحزينة على بريطانيا، وظلت محورًا لأحاديث المجالس الأوروبية والأمريكية لسنوات, وقد توفي على متنها الوريث الشرعي لأملاك عائلة “كراولي”, وبدأت بعده رحلة البحث عن وريث بديل؛ لأن عائلة اللورد غرانثام ليس لديها أبناء ذكور, وفي الشرع البريطاني –آنذاك- لم يكن يسمح بتوريث الأملاك للفتيات, وبطبيعة الحال.. كانت افتتاحية ذكيَّة لجذب المشاهدين لمتابعة حلقات المسلسل؛ لأن التايتانك ما زالت إلى اليوم من الموضوعات الفاتنة والمحببة للجمهور.

يأخذنا المسلسل في سلسلة من الأحداث والحكايات العاطفية والإنسانية المؤثرة في الفترة التي سبقت الحرب العالمية، وتجنيد الدولة للشباب، وغيرها من المواقف الطريفة والحزينة, في دراما شيقة، وأجواء ممتعة، وأداء مميز من جميع أفراد الطاقم “ماغي سميث- جيم كارتر – دان ستيفنز – جيسيكا براون – ميشيل دوكري – هيو بونفيل” وغيرهم, وكان كل شخص في مكانه الصحيح قلبًا وقالبًا.

rh-729-downton_20130208101808904841-620x349

.

ما بين تمرد الابنة الكبرى، ويأس الابنة الوسطى، وطموحات الابنة الصغرى، يسعي الوالدان والجدة على نحو متواصل لإيجاد “عريس” ملائم لكل منهن لضمان مستقبلهن, وذلك بالطريقة البريطانية التقليدية القديمة، عبر حضور مناسبات وحفلات رقص خاصة تُقام من أجل تقديم البنات إلى الصفوة من رجال المجتمع.

من الأشياء اللافتة التي لا يمكن فوات الحديث عنها, الموسيقى التصويرية المُعبرة عن فخامة الأجواء داخل العمل, بالإضافة إلى الاختيار الموفق لأماكن التصوير، حيث تم تصوير المشاهد الخارجية منه في محيط قلعة “هايكلير” التاريخية الواقعة بمنطقة هامبشاير جنوب شرق إنجلترا, وتلك القلعة هي ذاتها منزل عائلة “داونتون آبي”، وتحولت بعد عرض المسلسل إلى مزار جاذب للسُيّاح, كما تم تصوير رحلات الصيد بين أرياف اسكتلندا الساحرة.

برغم أن الموسم الرابع من المتوقع أن يُعرض في نهاية العام الحالي, لا أعتقد أنه سيحافظ على ذات المستوى بعد تأكيد انسحاب الكاتب، وإعلان غياب عدة وجوه كانت محبوبة في المواسم السابقة, إلا أنه -بلا أدنى شك- سيبقى واحدًا من أهم الأعمال الدرامية التي قدمها التلفزيون البريطاني في القرن الحادي والعشرين.

..

هذه المادة نشرتها في مجلة المجلة بتاريخ 27 أبريل 2013 : هنــــــــا

اضف رد