سيدتي الثلاثينية ..

أعرف أنك لن تلتقطي الرسالة من يد ساعي البريد..بل ستراقبينه وهو يودعها في الصندوق ويرحل..لن تنسي لبس حذائك الأنيق في خضم الشوق..ولن تفتحيها على الفور فهذا لايشبع فضولك..بل تحملينها كما يحمل الوزراء حقائبهم بتؤدة أمام الفلاشات..وتستوي على مقعدك الوثير..ثم تخرجي آلة فتح المظروف..وتفتحيه بكل ضبط ممكن للنفس..وكأنك طامعة في استخدامة من جديد..

هذا آسر يا سيدتي..لو كانت بمكانك فتاة تنحدر من سلالة العشرينات لخرجت ببجامة النوم عند سماع جرس دراجة الساعي..وانتزعت الرسالة من يده انتزاعا..وقبل التقاط أنفاسها تلتقط طرف المظروف بعنفوان..وتشقه ببلاهة مستعينة بيديها..ثم ترميه وتكتفي بالرسالة..غير آبهة أني سكبت من عطري الجيفنشي في أحشائه لتشمه.. وانتقيت طابعه بعناية..بل تقلب صفحات الرسالة بتوتر..باحثة في الخاتمة إن كانت تتضمن طلب يدها للزواج..

يستهويني الهدوء الذي يكتنفك يا سيدتي وأنت تخرجين الرسالة بعناية..وتسندين ظهرك بعد أن يفوح عطري فيهيج الذكريات..ويشحذ خيالك الطابع الذي ألصقته يوما على جبهتي..وأنا أتمنى أن أسافر إليك..وقد تمثلت بصورة ساحرة تحقق الأماني..فلعقت جبيني وألصقت الطابع..وطمنتني أني سأصلك مع ساعي البريد..وأدخل موسوعة جينس كأكبر رسالة في العالم..

من يراك سيدتي وأنت تنشرين الرسالة المطوية يقسم أنك تعلمين مافيها..كيف تكبحين فضولك إلى هذه الدرجة..ولاتلهثين وراء الأسطر..وليس إلا ثقتك المتجذرة في جمالك..وكأنك العيد المحفوف بالتهاني دائما..وأنا لست بدعا من المهنئين حولك..

سيدتي الثلاثينية..أنا احترمك لدرجة أن أرى مجاملتك كفراً..والكذب عليك يصل لحد الخطيئة المخرجة من الجنة..لذلك ما سأقوله في حضرتك هو منتهى التجرد..وإن بنيت قصرا من المرمر وأسكنتك فيه فأنت أهل..لا أحب عقد النقص لدى الصبايا..ومناظر الدهشة من المواكب الفارهة التي أقودها لهم..فقط أنزلي نافذة السيارة..ولوحي بيدك الكريمة للجموع..ولا يظهر حتى وجهك كبرياء وأنفة..

أحب في ثلاثينيتك الأنوثة الناضجة..والرغبة المتأججة في العمق..أحب عيناك التي تتحدث كل اللغات..وليس عينا عشرينية منكسرة لاتتحدث غير لغة الخجل..أحب عندما تديرينها حتى يختفي السواد ويعود..كأسرع تعاقب للليل والنهار..

أحب مزحاتك الثقيلة..وجلوسك مع صديقاتك في أماكن منزوية..أحب كلامك الغاضب في حقي..وإطلاقك للشتائم في وجهي عندما أتأخر عن الحضور في الموعد..هذا يمنع تكدس الكره في قلبك..وتفشيه لدرجة عدم تقبلي بالكلية..

الأيام لا تعبث يا سيدتي..وخبراتك التي كستك بها رفعت من قدرك وقيمتك..أصبحت خياراتك متقنة..وعرفت نفسك أكثر من مراهقة مازالت تصبغ شعرها بألوان صارخة..حتى ماكياجك لايكاد يرى من الدقة.. وظلال عينيك لاتحيد كظلال الأشجار المتنقلة..أما شفاهك فلاتميزينها بلون..لكن يهمك أن تبقى مبتلة ورطبة طوال الوقت..

أما ماترتدينه فما عاد عشوائيا كالسابق..بل يجسد صورة خلابه بروازها أطرافك..وموديلا مستمدا من مخلوق حولك..كالجينز البني الذي لبسته آخر لقاء..وبلوزة خضراء كاتمة لمحاسنك..كأنك شجرة بجذع وأوراق..

أو ماترتدينه الآن يا سيدتي..غاية في الإغراء المحتشم..الأزرق بتدرجاته مريح للعين..ويجلب السكينة..وهذا مناسب لامرأة تنشد الراحة في بيتها..

أحب وكم أحب سخاءك..وعطاءك الغير مرتبط بالأخذ..الأرض والسلام معا..مناطقك كالإتحاد الأوربي الذي تجوله بتأشيرة واحدة..من طواحين هولندا إلى ريف فرنسا المعشب..ومن نهر التايمز إلى جبال الألب الشامخة..

ماعدت أملك نفسي أمامك..صمودي صمود الشموع في أعياد الميلاد..أنا مغرم بعقودك الثلاثة..وأتساءل إن كان سحر الثلاثين حكر على النساء..أم أني سأبدو كذلك عندما أحذو حذوك في تخطي منتصف العمر..

أنتِ في هذا السن متوجة على المنصة..وعن يمينك وشمالك المراهقات والقواعد..كواسطة العقد أو أروع.. حتى أني أتمنى لو كنت الميدالية التي ستطوق عنقك.. ثم تعلقينها في غرفتك فتراكِ كلما غصّت بالحنين..

الكاتب مجهول إلى أن يثبت غير ذلك

اضف رد