article-0-195A89C6000005DC-662_634x617

قبل أيام كنت أتجول في اليوتيوب, وصادفتني مجموعة متنوعة من مقاطع الفيديو التذكارية المهداة إلى أرواح أشخاص وافتهم المنية ورحلوا عن عالمنا, سواء من أصدقائهم أو عائلاتهم.. فيديوهات توثق بعض اللحظات والذكريات الجميلة التي عاشوها برفقة هؤلاء الراحلين بالصوت والصورة وتاريخ الميلاد والوفاة, مع رسائل حب وخلفيات موسيقية حزينة أو أغانٍ تعبر مفرداتها عن الشوق والفقد والرثاء.

من بين المقاطع التي شاهدتها وأثرت بي كثيراً, مقابلة تلفزيونية مع امرأة أمريكية فقدت جميع بناتها الثلاث في حادث مروري مروع تسببت به قيادة خالتهن تحت تأثير الكحول, وتناقلت الصحف العالمية أنباء ذلك الحادث في عام 2009, ومن بينها صحيفة (دايلي ميل) البريطانية التي ما زالت تتابع أخبار والدي الفتيات إلى اليوم.. كما قدمت محطة HBO فيلماً وثائقياً عن الحادث.

عندما رأيت صور (أليسون – إيما – كيت) وجدت فتيات صغيرات بمنتهى الروعة والجمال والبراءة.. لا شك أنهن كنّ بهجة عظيمة في حياة من حولهن.. ومن يرى صورتهن لا يمكن أن يتخيل بشاعة المصير المؤلم الذي قضى على حياتهن وحياة خالتهن وابنتها وأشخاص آخرين.. كان أول سؤال تبادر لي عندما قرأت القصة: كيف تلقى والديّ البنات أنباء مقتلهن في ذلك اليوم؟.. وكيف تعايشا مع هذا المُصاب وتبعاته في السنوات الأربع الماضية؟.

تروي أم الفتيات (جاكي هانسي) كيف تلقت أخبار وفاة صغيراتها بالمستشفى تباعاً في ذلك اليوم الرهيب, حيث كانت تموت إحداهن بعد كل بضعة ساعات: “أعجز عن التعبير عن مشاعري.. ولا أفهم ما الذي حدث.. شقيقتي كانت امرأة رائعة, ما زلت أتسائل كيف سمحت لنفسها بالمخاطرة بقيادة السيارة مع هؤلاء الصغيرات وهي تحت تأثير الشراب!.. أنا مضطرة لأن أسامحها لأني لا أملك خياراً آخر”! وفي المقابلة ذاتها قالت أنها تتمنى فقط لو كانت موجودة في موقع الحادث لتمسك بأيادي بناتها الصغيرات في لحظاتهن الأخيرة.

على مدى السنوات الماضية, نصح الكثيرين جاكي بأن تنجب أطفالاً آخرين ينعشون حياتها ويعيدون إليها البهجة والابتسامة الغائبة, وكانت ترفض ذلك بحجة أنها محطمة تماماً ولا تملك القدرة على أن تكون أماً مرة أخرى, ولكنها في العام الأخير قررت الرضوخ لهذه الضغوط وأنجبت طفلة جميلة قالت بأنها أعادتها إلى الحياة من جديد.

إن كنت تبحث عن نهاية سعيدة لهذه القصة الحزينة, فقد تجاوزت جاكي ذلك الألم الذي كانت تعتقد بأنه أنهى فصول السعادة في حياتها, ولو أننا سألنا أنفسنا ما الذي كنا سنفعله لو كنا مكانها أو مكان أي شخص فقد أغلى أحبابه.. هل كنا لنتمكن من النسيان والمضي في الحياة؟.. نعم كنا لننسى ونمضي ولو بعد حين.. وكنا لنحب أشخاصاً آخرين فوق ما كنا نتوقع ونتخيل.. جاكي ليست أم قاسية أو جاحدة.. ولكن نحن البشر مزودين بقوات وقدرات لا نعرفها على مواجهة المصائب الكبيرة ومفاجآت القدر.. مجبولين على الصبر والنسيان والاستعداد والقبول والتكيف مع كل ما تحمله لنا الأيام من قسوة وآلام.. وصور الراحلين التي تبكينا اليوم, قد لا نلاحظ وجودها غداً..

كنت أبحث طويلاً عن إجابة للتساؤلات السابقة.. وجدت الإجابة في لمعان عيون جاكي وابتسامتها وقبلاتها لطفلتها الجديدة بعد سنوات من الشحوب والحزن والغضب والرثاء لصغيراتها الراحلات.

eak18-1024x768

eak3-1024x768 eak6-768x1024 eak7-1024x768 eak8-768x1024

هذه المادة منشورة في موقع 7osn.com بتاريخ 9 أكتوبر 2013

اضف رد