اخترت هذا العنوان للتدوينة, لأن الفيلم في أسلوبه كان أشبه بأم تروي قصة لأطفالها قبل النوم, بساطة لا توصف في السرد .. عفوية جميلة كانت طاغية على التفاصيل والتعابير, ومع هذا, وبالرغم من أنه فيلم كرتوني, إلا أن القصة للكبار, وليست ملائمة لتُروى على مسامع الصغار .. لقد استمتعت الليلة الماضية بمشاهدة فيلم  Mary And Max 2009 وهو فيلم أنيميشن أسترالي من إخراج وكتابة “آدم إليوت” الذي سبق له الفوز بالأوسكار عن فئة الفيلم القصير عام 2003.

تم اقتباس الفيلم من قصة حقيقية حول صداقة بالمراسلة نشأت بالصدفة في السبعينات ميلادية بين طفلة أسترالية في الثامنة من عمرها وتُدعى “ماري” .. ورجل أمريكي أربعيني اسمه “ماكس”, تلعب الصدفة دورها حين يقع اختيار “ماري” على اسم “ماكس” تحديداً من بين كل الأسماء والعناوين في دليل الهاتف, لتبعث له بالرسائل وألواح الشوكولاتة وتقاسمه تفاصيل يومها المرحة التافهة .. ولم تكُن تعلم أن هذا الشخص الذي اختارت اسمه عشوائياً ليكون صديقها, كان شبيهاً بها كثيراً ويعاني الوحدة والاضطهاد الاجتماعي مثلها, حيث أن ماري تشكو من “كلاكيع” نفسية كثيرة جراء إهمال عائلتها وتنمر زملائها في المدرسة والوحمة البنية التي تعلو جبينها وتعكر صفو أيامها, تقضي أوقاتها بتربية ديك ضال وحياكة دمى وعرائس وشخصيات كرتونية تقوم بتسميتها ومخاطبتها لتعويضها عن وجود الأصدقاء في حياتها, يبدأ الفيلم بصوتها الطفولي العذب وهي تحكي عن يومياتها ومفاهيمها البسيطة حول الأصدقاء والحياة وإنجاب الأطفال.

منذ اللحظات الأولى للفيلم, أسرتني هذه الطفلة بصوتها وكلماتها وتساؤلاتها وحيرتها, وجدت نفسها بين أب مشغول وأم منهمكة في الشرب والسرقة, فقدت الثقة في نفسها منذ أن أخبرتها والدتها أن إنجابها كان حادث أو غلطة, وظلت تسأل نفسها بألم رغم أن تعبير والدتها ذاك كان عابراً وربما غير مقصود : كيف يمكن لإنسان أن يكون مجرد حادث ! كانت إضاءة رائعة  للآباء والأمهات على حد سواء بخصوص حالة الطفل النفسية الهشة التي تتأثر بما يُقال لها مهما كان ضئيلاً, وقدم الفيلم كثير من الإضاءات والدروس التربوية المشابهة في صورة ذكية وغير مباشرة.

Mary-and-Max

من قال أن الصداقة تعرف الأعمار والمسافات وتعترف بحدود المكان والزمان؟ من قال أصلاً أنها للأذكياء والعقلاء فقط؟ .. من قال أن الصداقة لا يمكن أن تدوم بلا لقاء؟!.., لقد كان “ماكس” رجل أمريكي يعاني الوحدة والبدانة والقدرات الفكرية المتواضعة, لطالما كان ضحية تنمر وسخرية المحيطين به, نشأ يهودياً وتحول إلى الإلحاد .. تنقل بين عدد من الوظائف والمهن البسيطة, يحضر جلسات علاج الإفراط بالطعام .. يعيش وحيداً ويعاني اضطرابات نفسية كثيرة, يقضي أوقاته بتناول شطائر الهوت دوغ بالشوكلاتة ومشاهدة تلفاز لا يخرج منه سوى صوت بلا صورة, يستقبل رسالة “ماري” في أحد نهاراته المملة المتشابهة .. كانت رسالة مختصرة لطيفة جميلة مرفقة بلوح شوكولاتة, من مخلوق صغير بريء يعرض خدمات متنوعة من ضمنها الاهتمام وألواح الشوكلاتة والصداقة !.. ومن شخص لا يقل تفاهة وحزناً وهامشية عن ما هو عليه, لم يكن الأمر بحاجة إلى وقت وتفكير أو حشد مفردات جميلة وعبارات منمقة, لقد كانت الرسالة أشبه بهدية من السماء لرجل منبوذ ومنسي على هامش الحياة مثله !

برغم فوارق المكان والزمان, أمضى “ماري” و”ماكس” سنوات طويلة وهما يتبادلان رسائل يحكيان فيها لبعضهما عن الجيران والكتب والسفر وإنجاب الأطفال الذي كانت تعتقد “ماري” أنه يتم عن طريق زجاجات البيرة, وكانت تسأل “ماكس” إن كان أطفال أمريكا هم الآخرين يتم إنجابهم بواسطة زجاجات البيرة كأطفال أستراليا أم أنهم يأتون عن طريق زجاجات الكولا؟.. وكل منهما يقرأ رسالة الآخر بعناية واهتمام .. وقد أصبح كلاً منهما محوراً لحياة الآخر في ظل ما يعانيانه من مشكلات متشابهة, كان يكتب لها “ماكس” عن جارته العجوز العمياء التي تشبه رائحتها المخلل ولكنه لا يخبرها بذلك لأن طبيبه النفسي أخبره بأنها قلة أدب, ويمضي في امتعاضه وانزعاجه من جلسات العلاج وقذارة الشوارع ورمي الناس لأعقاب السجائر على الطرقات العامة …! .. بينما تنهمك هي الأخرى في مصارحته بقصصها وأسرارها ومشكلاتها باحثة عن حلوله العبقرية, حيث أسرّت له يوماً أنها تعاني من وحمتها البنية التي تسببت لها بسخرية زملائها في المدرسة, ولكنه أعاد لها قوتها وثقتها المفقودة في نفسها عندما اقترح عليها أن تقول لزملائها بأنها خُلقت بعلامة بنية لأنها ستصبح هي المسؤولة عن تقديم الشوكلاتة في الجنة !

mary-and-max

كانت أحاديث جميلة برغم بساطتها وتفاهة تفاصيلها, إلا أنها تجبرك على انتظار كل رسالة ومحتواها طوال الفيلم, وتجعلك متأثراً بالظروف المعيشية الحزينة التي تحيط بحياة كليهما لساعة ونصف من الشجن والمعاناة والوفاء والصداقة الجميلة , كان الفيلم عميقاً جداً وله مغزى ومعاني كبيرة لمن يتأمله, برغم بساطة طريقة تقديمه إلا أنه بصدق أذهلني بتطرقه لعدة قضايا اجتماعية وتربوية وأعتقد أنه يجدر بالآباء والأمهات وحتى المعلمين مشاهدته, لأنه يحمل قيم إنسانية حساسة من المهم أن يعرفها من يتعامل مع الأطفال.

“ماري وماكس” كان فيلماً جميلاً وممتعاً, يأخذك في رحلة حزينة عبر مراحل زمنية وفكرية مختلفة لكلا البطلين, قادر أن يضحكك ويبكيك في اللحظة ذاتها, رسم وموسيقى وتصوير بديع .. استغربت أني لم أسمع عن هذا العمل من قبل,وأعتقد أنه سيبقى في الذاكرة لفترة طويلة.

أغنية جميلة ومعبرة جداً من الفيلم .. تستحق السماع :

httpv://www.youtube.com/watch?v=Cr29Yu2trAU

اضف رد