كأي امرأة أنفقت في حياتي كثير من الأموال على أدوات مكياج وعطور وأحذية وأشياء كمالية أكثر بكثير من حاجتي, كانت خزانتي تتكدس لدرجة أني أضطر في بعض الأوقات للتبرع بأشياء جديدة لم أستخدمها أبدا, فقط لأنه لم يعد هناك متسع لتكديس المزيد من المشتريات الجديدة.. نعم, كنت غارقة إلى هذا الحد, ومهووسة بأشيائي وأنقلها معي أينما ذهبت.

قبل أيام خطرت لي فكرة كنت أراها شيء من الجنون, سأتخلص من أشياء كثيرة اشتريتها بمبالغ طائلة وأحتفظ فقط بالأشياء الضرورية التي أستخدمها بشكل منتظم, هذا ما دفعني إليه الفيلم الوثائقي على نتفلكس Minimalism وهو مفهوم حياة جديد يعني تبسيط الحياة والتجرد والتخفف من الأشياء والتكديس والتخلص من التعلق بالممتلكات, ناقش الفيلم أسئلة غاية في الأهمية:


هل نحتاج حقاً كل ما نشتريه ونملكه ونرغب بامتلاكه في حياتنا؟ وهل ما نملكه يجعلنا حقاً نشعر بالسعادة والراحة المنشودة؟ وهل نكتفي ونتوقف عن حد ما أم أننا نظل إلى الأبد نركض باستمرار وراء المزيد والمزيد؟
ما لا يلاحظه البعض بسهولة أننا قد تم خداعنا وتشكيل وعينا عبر سنوات بطريقة ممنهجة وقائمة على سلسلة من تجارب ودراسات بحثية عميقة لإقناعنا أننا يجب أن نملك أشياء ومنتجات متنوعة لنصبح سعداء, بل أنه تم إقناعنا أن حياتنا ناقصة وغير مجدية بدونها.. ونغرق معها في دوامة لا تنتهي من الشراء والاقتناء.
يستعرض الفيلم بطريقة طريفة كيف تكتظ الحشود في المتاجر يوم الجمعة الأسود لاستغلال فرصة التخفيضات السنوية, لا يهم إن كانوا بحاجة المشتريات.. المهم أن يحصلوا عليها ويستغلوا (ما تم إقناعهم أنه فرصة لا تفوت)!

واليوم في عصر شبكات التواصل الاجتماعي وسهولة وصول الاعلانات الموجهة التي تستهدف كل شخص بحسب اهتماماته ونقاط ضعفه, ينغمس الناس أكثر وأكثر في سلسلة الاقتناء والشراء.
في الحقيقة لا يمكن لومهم أبدا, يكفي أن العالم اليوم أصبح يتيح وسائل دفع مريحة جدا ولا يترك لك خيار السيطرة ومقاومة الشراء، حتى في حال نسيت بطاقتك البنكية فقط دع “آيفونك” يتصرف بضغطة زر !

هل أنت مستعد للخروج من هذا الفخ الذي نستمر في التعثر به دون توقف؟
الأمر يتعلق بمدى انفتاحك واستعدادك لتقبل بعض الحقائق ومدى رغبتك بتحرير روحك من التعلق ورواسب سنوات وسنوات من الإعلانات والوعي الجمعي الذي تشكل في أعماقك وتمكن من صناعة تفكيرك ورغباتك.


البدء بضبط السلوك الاستهلاكي واختصار الممتلكات والإبقاء على الضروريات يعني أنك أصبحت أكثر قدرة على التعرف من جديد على القيمة الحقيقية للأشياء, وأكثر قدرة على استقبال قيم أخرى أعظم في المقابل كالرحمة والتعاطف والاجتهاد وغيرها من القيم الإنسانية النبيلة.


يدعو مفهوم Minimalism إلى أن تتأمل الأشياء المتكدسة حولك وتسأل نفسك:
هل كل شيء تملكه يضيف حقا قيمة لحياتك؟ يجب أن تبرر لنفسك وليس للآخرين.. أنت تمتلك كوب قهوة مثلاً.. قيمته تتمثل في أنك تحتسي به قهوتك اليومية وتحافظ على توازن مزاجك, لا يجب أن يكون لديك خزانة مليئة بالأكواب لأنها أعجبتك أو لأن فلاناً من الناس يملك مثلها.
فلان “أياً كان” مجرد نموذج, وليس مقياسا لما يجب أن تكون عليه وتمتلكه.. اصنع نموذجك الخاص بما يتلائم مع طبيعتك وتفكيرك أنت فقط.
المقصد ليس أن تخلصك من هذه الأشياء الزائدة بحد ذاته يمكن أن يحقق لك السعادة والراحة, ولكن أن تكون مستعدا في أي لحظة للتخلي والاستغناء عن أشياء تعلقت بها طويلا وأن تملك زمام السيطرة على روحك وأفكارك ورغباتك, فهذه خطوة جريئة وكبيرة لحياة أكثر قيمة وأكثر حرية وسعادة.

اضف رد